
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
يُعَدُّ الفهمُ الصحيح وإدراكُ الأمور من أهم الصفات التي ينبغي أن يتحلّى بها الداعية إلى الله؛ فالدعوة ليست مجرد حماسة أو نقلٍ للكلام، بل هي علمٌ وبصيرة وحكمة. والداعية الذي يمتلك فهمًا صحيحًا يستطيع أن يضع الأمور في مواضعها، ويخاطب الناس بما يناسب عقولهم وأحوالهم.
وقد أكّد القرآن الكريم على أهمية الفهم والعلم، فقال الله تعالى:
﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]،
فالبصيرة هنا تعني العلم والفهم العميق للدين والواقع معًا. وقال سبحانه:
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43]،
وذلك دليل على أن الفهم صفةٌ لأهل العلم.
ومن هدي النبي ﷺ قوله:
«من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» (متفق عليه)،
فالفقه هو الفهم الصحيح الذي يعين الداعية على التمييز بين الأولويات، ومعرفة المصالح والمفاسد. كما كان ﷺ يراعي حال السائل والمخاطَب، فيجيب كلًّا بما يناسبه.
والداعية الفاهم لا يتسرع في الأحكام، ولا يغلُو في التشديد، بل يسلك طريق الحكمة والرفق، امتثالًا لقوله تعالى:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125].
وخلاصة القول: إن الفهم الصحيح وإدراك الأمور نعمة عظيمة للداعية، بها تنجح الدعوة، ويصل الحق إلى القلوب، وتتحقق الغاية من الدعوة إلى الله على بصيرة وحكمة.
اللهم ألهمنا رشدنا، وقِنا شرَّ أنفسنا، وارزقنا الفهم الصحيح، واسلك بنا سبل النجاة، واجعلنا هداةً مهتدين، لا ضالين ولا مضلين. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.