تخطى إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات المكتوبة بواسطة n. ismail

الحمد لله الذي كرَّم الإنسان وفضَّله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا، وجعل الأولاد زينة الحياة الدنيا، وأمانةً في أعناق آبائهم وأمهاتهم. والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الرحمة المهداة، الذي كان أرحم الناس بالأطفال وأحسنهم معاملةً لهم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم ارزقنا الرحمة بأبنائنا، وأعنَّا على أداء حقوقهم، واجعلهم قرة أعين لنا في الدنيا والآخرة.

أما بعد:

فقد سبق الإسلام الأنظمة والمواثيق البشرية في تقرير حقوق الطفل والعناية به، وجعل المحافظة على هذه الحقوق عبادةً يتقرب بها العبد إلى ربه، ومسؤوليةً يُسأل عنها أمام الله تعالى. فالطفل في الإسلام مكرَّم منذ بداية تكوينه، وله حقوق ثابتة تكفل له حياةً كريمة، ونشأةً سليمة، ومستقبلًا صالحًا.

ومن أعظم هذه الحقوق: الحق في الحياة. فقد حرَّم الله تعالى الاعتداء على الأطفال وقتلهم تحريمًا قاطعًا، وعدَّه من كبائر الذنوب، فقال سبحانه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}. وقال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ}.

وقد جاء الإسلام ليقضي على عادات الجاهلية الظالمة، ومنها وأد البنات، فأعلن أن حياة الطفل مصونة، وأن الاعتداء عليها جريمة عظيمة عند الله.

ولا يقتصر حق الطفل على مجرد البقاء حيًّا، بل يشمل حقه في الرعاية الصحية والغذائية والنفسية. ومن ذلك حقه في الرضاعة والرعاية المبكرة، قال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}. كما أوجب الإسلام النفقة على الأب، ليجد الطفل ما يحتاج إليه من طعام وكساء ورعاية.

ومن الحقوق العظيمة كذلك حق الطفل في التربية والتعليم. فالأبوان مسؤولان أمام الله عن تنشئة أبنائهما على الإيمان والأخلاق والقيم الفاضلة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».

ومن مظاهر هذه المسؤولية تعليم الأبناء أمور دينهم، وغرس الفضائل في نفوسهم، وتعويدهم على الطاعة منذ الصغر، قال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين».

كما أكد الإسلام على حق الطفل في العدل والمساواة بين إخوته، فلا يجوز تفضيل بعض الأبناء على بعض بغير حق؛ لأن ذلك يورث الحسد والبغضاء ويهدم الثقة داخل الأسرة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم».

ومن الحقوق التي يغفل عنها بعض الناس: حق الطفل في الرحمة والحنان والاحتواء العاطفي. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبِّل الحسن والحسين ويحملهما ويلاعبهما، فلما تعجب بعض الناس من ذلك قال: «من لا يَرحم لا يُرحم».

وكان صلى الله عليه وسلم يراعي مشاعر الأطفال واحتياجاتهم، فيطيل السجود أحيانًا رحمةً بهم، ويخفف الصلاة إذا سمع بكاء الصبي شفقةً على أمه. وهذا يدل على أن الطفل لا يحتاج إلى الطعام والكساء فقط، بل يحتاج كذلك إلى الحب والاهتمام والشعور بالأمان.

ومن تمام العناية بالطفل أن يُختار له الاسم الحسن الذي يبعث على الاحترام ويجنبه السخرية أو الأذى النفسي، وقد غيَّر النبي صلى الله عليه وسلم أسماءً غير مناسبة إلى أسماء حسنة، مراعاةً لأصحابها وإكرامًا لهم.

إن الطفل أمانة عظيمة، وبصلاح تربيته يُبنى المستقبل، وبإهمال حقوقه تنشأ المشكلات التي تعاني منها المجتمعات. ولذلك فإن رعاية الأطفال ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية المجتمع بأسره.

ختامًا، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لأداء حقوق أبنائنا كما يحب ويرضى، وأن يجعلهم ذريةً صالحة نافعة لدينها وأمتها ووطنها.

اللهم بارك لنا في أولادنا، وأصلحهم، واحفظهم من الشرور، وأعنّا على تربيتهم بما يرضيك.