تخطى إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات المكتوبة بواسطة n. ismail

الحمد لله الذي جعل الأسرة ميثاقًا غليظًا، وأودع بين أفرادها المودة والرحمة، وأمر بالإصلاح بين الناس وجعله من أجلِّ القربات وأعظم الطاعات. والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي كان أرحم الناس بأهله، وأحرصهم على جمع الكلمة وإصلاح ذات البين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم أصلح أحوالنا، وألِّف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، إنك سميع مجيب.

أما بعد:

فإن الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وبصلاحها يصلح المجتمع كله، وبفسادها يضعف ويتفكك. ولذلك أولى الإسلام الأسرة عنايةً عظيمة، وجعل المحافظة على تماسكها واستقرارها من المقاصد الكبرى للشريعة.

قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. فالمودة والرحمة هما روح الحياة الأسرية، وإذا أصابهما الضعف أو الخلل ظهرت المشكلات والخلافات التي تهدد استقرار البيت وسعادته.

ومن هنا كان السعي في إصلاح الأسرة وحل نزاعاتها من أشرف الأعمال وأعظم القربات، امتثالًا لأمر الله تعالى بالإصلاح بين الناس، قال سبحانه: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}. وإذا كان الإصلاح مطلوبًا في كل نزاع، فإنه في النزاعات الأسرية أشد أهمية؛ لما يترتب عليها من آثار تمس الزوجين والأبناء والمجتمع بأسره.

وقد عظَّم الإسلام أجر المصلحين، فقال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين».

وهذا يدل على عظم شأن الإصلاح، وأن أثره يتجاوز حل الخلافات إلى حفظ الدين والمجتمع من أسباب الفرقة والعداوة.

ولكي ينجح المصلح في أداء مهمته، لا بد أن يتحلى بالحكمة والحلم والرفق. فالمصلح ليس قاضيًا يبحث عن إدانة أحد الطرفين، بل طبيبٌ يسعى إلى معالجة الجراح وتقريب القلوب وإعادة الثقة بين المتخاصمين.

ومن أهم صفات المصلح الناجح أن يستمع إلى جميع الأطراف بعدل وإنصاف، وأن يحفظ الأسرار ولا يفشيها، وأن يتجنب الانحياز المسبق، وأن يذكِّر الزوجين بما بينهما من معروف وفضل، قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.

كما ينبغي أن يذكرهما بأن التسامح والعفو من أسباب دوام المودة واستقرار الحياة الزوجية، قال سبحانه: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوةً في الإصلاح بين الناس، وسعى في جمع القلوب وتأليفها. ومن رحمته بالأمة أنه أباح للمصلح أن ينقل الكلام الطيب أو يختار من العبارات ما يقرب بين المتخاصمين إذا كان قصده الإصلاح، فقال صلى الله عليه وسلم: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرًا أو يقول خيرًا».

والمصلح الحكيم يحرص دائمًا على تذكير الزوجين بأن الحياة الزوجية لا تخلو من الأخطاء والتقصير، وأن الصبر والتغاضي عن الزلات من أسباب دوام العشرة واستمرار الألفة، قال الله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}.

فكم من بيتٍ كان على وشك الانهيار ثم أعاده الله إلى الاستقرار بكلمة صادقة، أو نصيحة مخلصة، أو وساطة حكيمة. وكم من أسرة نجت من التفرق والضياع بسبب مصلح ابتغى وجه الله تعالى وسعى لجمع الشمل وإطفاء نار الخلاف.

ختامًا، نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يؤلف بين قلوب الأزواج والزوجات، وأن يجعل بيوتنا عامرةً بالمودة والرحمة والسكينة، وأن يرزقنا الحكمة في القول والعمل.