
الحمد لله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان، وجعل الحكمة والعدل من أجلِّ نعمه على عباده، والصلاة والسلام على من أرسله الله بالحنيفية السمحة، نبيًّا حكيمًا عادلًا، قائمًا بالقسط، وداعيًا إلى صراط الله المستقيم، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الذين ورثوا عنه العلم والعمل.
اللهم اجعلنا من عبادك الذين آتيتهم الحكمة، والقائمين بالقسط، وارزقنا قول الحق، والحكم بالعدل في كل شأن، واهدنا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك.
أما بعد:
فالداعية إلى الله تعالى ليس مجرد ناقلٍ للمعلومة أو واعظٍ بليغ، بل هو قدوة يُقتدى بها، وطبيب يداوي القلوب بالحكمة والموعظة الحسنة. ولا تكتمل شخصيته إلا بجملةٍ من الصفات الربانية التي أمر الله بها في كتابه، وجاءت بها سنة نبيه ﷺ، وفي مقدمتها صفتا الحكمة والعدل.
وهاتان الصفتان بمنزلة جناحين للداعية، فلا يحلق في سماء الدعوة إلا بهما؛ فالحكمة تضبط منهجه، وتهذب أسلوبه، وتوجه خطابه، والعدل يغرس الثقة في نفوس الناس، ويكسب دعوته القبول والاحترام. وقد أمر الله تعالى بهما أمرًا جازمًا، وجعلهما من أسس البلاغ المبين، فلا يُتصور نجاح دعوة تفتقر إلى الحكمة، ولا يُرجى قبولها إذا شابها الظلم أو الهوى.
فأما الحكمة، فهي وضع الأمور في مواضعها، ومعرفة ما يليق بكل مقام، وإصابة الصواب في القول والعمل، مع البصيرة النافذة، وحسن تقدير العواقب. وقد جعلها الله تعالى أساس الدعوة إليه، فقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. فبدأ بالحكمة قبل الموعظة والمجادلة؛ إشارةً إلى أن الداعية الحكيم يعرف كيف يخاطب العقول والقلوب، فيقدِّم العلم المناسب، في الوقت المناسب، وبالأسلوب المناسب.
وقد أثنى الله تعالى على الحكمة، وجعلها خيرًا عظيمًا، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]. ولذلك فإن الداعية الحكيم لا يثير النفور، ولا يفتح أبواب الجدل العقيم، بل يعالج الأخطاء برفق، ويغلق منافذ الشر بلطف، ويبلغ مقصوده بالقول البليغ والأسلوب المؤثر.
وقد تجلت حكمة النبي ﷺ في مواقف كثيرة، بقيت نبراسًا للدعاة إلى يوم القيامة. فمن ذلك قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فهمَّ به الصحابة رضي الله عنهم، فقال لهم النبي ﷺ: «دعوه، لا تزرموه، وهريقوا على بوله ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين» (رواه البخاري). فجمع ﷺ بين الرفق بالجاهل، وتعليمه، والمحافظة على حرمة المسجد، دون توبيخ أو تعنيف.
ومن أروع صور حكمته ﷺ قصة الشاب الذي استأذنه في الزنا؛ فلم يزجره، ولم يعنفه، بل خاطب عقله وقلبه، فقال له: «أترضاه لأمك؟» قال: لا. قال: «فكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم…» ثم وضع يده على صدره، ودعا له، فصار الشاب بعد ذلك من أبعد الناس عن الحرام. (رواه أحمد، وصححه الألباني). إنها الحكمة التي تنفذ إلى القلوب من أبوابها، فتداوي النفوس، وتقتلع أسباب الانحراف بالرفق والإقناع.
وأما العدل، فهو قرين الحكمة، وبه تستقيم الأقوال والأفعال، وهو إعطاء كل ذي حق حقه، والإنصاف في الحكم، واجتناب الظلم والهوى في القول والعمل. وقد أمر الله تعالى به، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: 90]. فالعدل مأمور به على الإطلاق، وهو زينة الداعية، ودليل إخلاصه، وعنوان نزاهته.
كما حذر الله تعالى من الميل مع الهوى أو العصبية، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]. فالداعية الذي لا يعدل في أحكامه، ولا ينصف في نقده وتوجيهه، يهدم بسلوكه ما يبنيه بكلامه، ويضعف أثر دعوته في نفوس الناس.
وقد شهدت السيرة النبوية بأروع صور العدل. ومن ذلك قصة المرأة المخزومية التي سرقت، فأراد أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن يشفع لها، فغضب النبي ﷺ وقال: «يا أسامة، أتشفع في حد من حدود الله؟! إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (رواه البخاري ومسلم).
فهذا هو العدل الذي لا يعرف محاباةً، ولا يفرق بين قريب وبعيد، أو غني وفقير، وهو العدل الذي يجعل الداعية موضع ثقة الناس جميعًا. فالداعية العادل لا يظلم أحدًا، ولا يحمله الحب على مجاوزة الحق، ولا يدفعه البغض إلى الجور، بل يزن الناس والأحداث بميزان الشرع، ويقول الحق ابتغاء مرضاة الله تعالى.
وإذا اجتمعت الحكمة والعدل في الداعية، أثمرت دعوته قبولًا، وأورثت كلماته أثرًا، وأصبحت مواقفه تربيةً عملية قبل أن تكون كلمات مسموعة. فالحكمة ترشد إلى أنسب الوسائل، والعدل يحفظ للدعوة نقاءها وهيبتها، وبهما تتحقق القدوة الحسنة التي هي من أعظم وسائل التأثير والإصلاح.
ختامًا، نسأل الله تعالى أن يجعل الحكمة زاد قلوبنا، والعدل سجية أقوالنا وأفعالنا، وأن يرزقنا البصيرة في الدعوة إليه، والقدرة على إنزال الناس منازلهم من غير إفراط ولا تفريط.
اللهم علمنا الحكمة، وآتنا فصل الخطاب، وارزقنا العدل في الرضا والغضب، واجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. اللهم احشرنا في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
وصلى الله وسلم وبارك على سيد الدعاة، وإمام الحكماء والعدل، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.