Salta al contenido principal
Published Date: 24 de julio de 2026

الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، ورفع أهل العلم والإتقان درجات، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ، الذي بعثه الله معلِّمًا ومربيًا، فربَّى جيلًا من الصحابة بلغوا الغاية في العلم، والحكمة، والكفاءة، وحسن الأداء، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا، وارزقنا الإخلاص والإتقان في القول والعمل.

أما بعد:

فإن تطوير المهارات والقدرات ليس ترفًا فكريًا، ولا غاية دنيوية مجردة، بل هو من الواجبات التي تعين المسلم على القيام بما كلفه الله به، وتحقيق الإحسان في عبادته وعمله. فكلما ازداد العبد علمًا، واتسعت خبرته، وحسنت مهاراته، كان أقدر على نفع الناس، وأعظم أثرًا في خدمة دينه وأمته.

وقد أودع الله تعالى في الإنسان طاقاتٍ وقدرات، وأمره بالسعي في عمارة الأرض، ولم يرض لعباده الكسل، ولا التقصير، ولا إهمال ما وهبهم من المواهب. وإن تنمية المهارات صورة من صور شكر نعمة الله، وحسن استثمار ما استخلف الإنسان فيه، وهو دليل على صدق حرصه على تزكية نفسه، وإتقان عمله، والإحسان إلى الخلق.

ولقد رفع الإسلام شأن العلم، وجعله أساسًا لكل تقدم وإصلاح، فكان أول ما نزل من القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]. ثم أمر الله نبيه ﷺ أن يسأله المزيد من العلم، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. ولم يؤمر النبي ﷺ بطلب الزيادة من شيء كما أُمر بطلب الزيادة من العلم؛ لأنه أصل كل خير، وأساس كل مهارة نافعة.

كما دعا الإسلام إلى إعداد القوة بكل صورها، فقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. وقد بيَّن النبي ﷺ بعض معاني هذه القوة، فقال: «ألا إن القوة الرمي» (رواه مسلم)، وقال مخاطبًا قومًا كانوا يتدربون على الرمي: «ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا» (رواه البخاري). وهذا يدل على أهمية اكتساب المهارات التي يحتاجها المسلم في زمانه، فالقوة لا تقتصر على جانب واحد، بل تشمل كل علم نافع، وكل مهارة مشروعة، وكل وسيلة تعين على نصرة الدين وخدمة المسلمين.

وقد حفلت السنة النبوية بالحث على الإتقان وتحسين الأداء، فقال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» (رواه الطبراني والبيهقي، وحسنه الألباني). والإتقان لا يتحقق إلا بالتعلم، والممارسة، والتطوير المستمر.

وقال ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» (رواه مسلم). فجمع هذا الحديث بين ثلاثة أصول عظيمة: الحرص على كل ما ينفع، والاستعانة بالله، وترك العجز والاستسلام. فمن أراد أن يطور نفسه، فليجتهد في التعلم، وليستعن بالله، ولا يقعده ضعف البداية أو قلة الخبرة.

وكان السلف الصالح أحرص الناس على اكتساب المهارات النافعة. فقد أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم لغة اليهود، فتعلمها في مدة يسيرة، حتى أصبح يقرأ للنبي ﷺ كتبهم ويكتب لهم جوابه، فكان ذلك من أعظم ما خدم به الإسلام والدولة الإسلامية. وفي هذا دليل على أن تعلم المهارات واللغات والوسائل التي تخدم الدين من الأعمال الجليلة إذا صلحت فيها النية.

كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «علِّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل»، وهو وإن كان الأثر لا يثبت عنه بإسناد صحيح، إلا أن معناه صحيح في الحث على تنمية المهارات النافعة، وإعداد الأبناء إعدادًا متكاملًا.

وفي عصرنا الحاضر، أصبح الداعية أحوج ما يكون إلى تطوير نفسه باستمرار؛ فيتعلم مهارات التواصل، والإلقاء، والحوار، وإدارة الوقت، والتخطيط، والاستفادة من التقنيات الحديثة، حتى يبلغ دعوة الله بأفضل الوسائل، ويخاطب الناس بما يناسب أحوالهم، ويؤدي رسالته بإحسان وإتقان.

فالداعية الذي يقف عند ما تعلمه أول مرة، يضعف أثره مع مرور الزمن، أما من يجدد علمه، ويطور أدواته، ويزيد خبرته، فإنه بإذن الله يكون أكثر تأثيرًا، وأعظم نفعًا، وأقرب إلى تحقيق المقصود من دعوته.

ختامًا، نسأل الله تعالى أن يرزقنا علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وأن يوفقنا إلى حسن استثمار ما وهبنا من قدرات ومواهب.

اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلِّمنا ما ينفعنا، وزدنا علمًا وحكمة، واجعلنا من المتقنين في أعمالنا، المحسنين في أدائنا، العاملين بعلمهم، المخلصين في دعوتهم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.