تخطى إلى المحتوى الرئيسي

الحمد لله رب العالمين، مقيم السماوات بغير عمد، ومدبر الأرزاق والأقدار بحكمته البالغة. والصلاة والسلام على سيد المستعينين بربهم، وإمام المتوكلين على خالقهم، سيدنا محمد ﷺ، الذي أرشد أمته إلى حسن التوكل والاستعانة بربها، وعلى آله وصحبه الذين امتثلوا أمر الله خير امتثال.

اللهم بك نستعين، وعليك نتوكل، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.

أما بعد:

فإن الاستعانة بالله عز وجل هي حقيقة العبودية ولبُّها، واعترافٌ من العبد بفقره المطلق إلى مولاه الغني الحميد. وهي ليست شعارًا يُرفع باللسان فحسب، بل انكسارٌ في القلب بين يدي الله، ويقينٌ راسخ بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

وقد جعل الله سبحانه الاستعانة به ركنًا يتكرر في كل ركعة من الصلاة، فقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. وفي تقديم العبادة على الاستعانة إشارة إلى أن من صدق في عبوديته لله أعانه الله، وأن الاستعانة الحقَّة لا تكون إلا بمن يستحق العبادة وحده لا شريك له.

وليست الاستعانة بالله تواكلًا وتركًا للأسباب، بل هي الجمع بين بذل الأسباب المشروعة، والاعتماد بالقلب على رب الأسباب ومسببها سبحانه، لا على الأسباب نفسها.

وقد كثرت النصوص في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ التي تأمر بالاستعانة بالله وتبين فضلها. قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]. وهذه وصية جامعة؛ فالصبر يحبس النفس عن الجزع، والصلاة تصلها بربها المعين سبحانه.

وقال عز وجل: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 126]. فلا تغني كثرة العدد ولا العدة شيئًا ما لم تقترن بالاستعانة الصادقة بالله.

وقد ربّى النبي ﷺ أمته على الاستعانة بالله في كل صغيرة وكبيرة. ومن أعظم وصاياه في ذلك ما رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا غلام، إني أعلِّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف» (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

فجعل النبي ﷺ سؤال العبد واستعانته بالله وحده؛ لأن النفع والضر بيد الله سبحانه، والخلق جميعًا لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئًا إلا بإذنه.

وقال ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» (رواه مسلم). فجمع هذا الحديث بين أمرين عظيمين: الأخذ بالأسباب النافعة، والاعتماد على الله، مع النهي عن العجز والكسل.

ومن دعائه ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» (رواه البخاري). فهو يلجأ إلى الله، ويستعيذ به من أسباب الضعف والعجز، مستعينًا بالقوي المتين.

وإذا صدق العبد في الاستعانة بربه، تبدل حاله من الضعف إلى القوة، ومن القلق إلى الطمأنينة، ومن الحيرة إلى الثبات. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3]. فمن كان الله حسبه وكافيه، كفاه كل هم، ويسر له كل عسير.

وكان النبي ﷺ يكثر من الدعاء: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين» (رواه النسائي والحاكم، وصححه الألباني). وهذا غاية التعلق بالله، والافتقار إليه، وعدم الركون إلى النفس وقوتها؛ فإن النفس ضعيفة ما لم يمدها الله بعونه وتوفيقه.

وفي ميدان الدعوة إلى الله، تشتد حاجة الداعية إلى الاستعانة بربه؛ فهو يواجه اختلاف الطبائع، وتنوع الشبهات، وتقلب الأحوال، ولا يثبت على هذا الطريق إلا من ثبته الله. فليكن قلبه معلقًا بربه، ولسانه رطبًا بذكره، وليستفتح أعماله بالدعاء، وليوقن أن الهداية بيد الله وحده، وأنه سبحانه إذا أعان عبده فتح له أبواب الخير، وبارك في قوله وعمله، وجعل له القبول في الأرض.

ختامًا، نسأل الله العلي العظيم أن يجعلنا من الصادقين في الاستعانة به، المتوكلين عليه حق توكله، الموقنين بأن الخير كله بيديه.

اللهم بك نستعين فأعنا، وعليك نتوكل فاكفنا، وإليك نلجأ فنجنا من كل ما يباعدنا عنك. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا، ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين، وأصلح لنا شأننا كله.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.