Salta al contenido principal

الحمد لله الذي جعل النبي ﷺ لنا أسوة حسنة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، القدوة الصادق في أقواله وأفعاله، وعلى آله وصحبه الذين اقتدوا به فصاروا هداةً مهتدين.

أما بعد، فإن الداعية إلى الله لا يؤثر بلسانه وحده، ولا تبلغ كلماته القلوب لمجرد فصاحتها، بل إن أعظم أثره يكمن في سلوكه وخلقه واستقامته قبل حديثه وموعظته؛ فالقدوة الحسنة أبلغ من كثير من الخطب، وأوقع في النفوس من كثير من الكلام، لأنها دعوة صامتة تراها العيون قبل أن تسمعها الآذان. نسأل الله أن يجعلنا من أهل الصدق والصلاح والإصلاح.

فالقدوة الحسنة تعني أن يكون الداعية صورةً عمليةً لما يدعو إليه؛ فيصدّق فعله قوله، ويوافق ظاهره باطنه، ويكون أول الممتثلين لما يأمر به، وأبعد الناس عما ينهى عنه. قال الله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].

وقد كان النبي ﷺ قرآنًا يمشي على الأرض، كما قالت عائشة رضي الله عنها:
“كان خُلُقُه القرآن” (رواه مسلم).
فكان خلقه الصدق، وسمته الوفاء، وهديه الرحمة. بل لقد عُرف قبل البعثة بالصادق الأمين؛ لما عُرف عنه من كمال الأمانة وصدق الحديث ونبل الخلق، فسبقت سيرته دعوته، ومهّدت أخلاقه لقبول رسالته.

وقد أثنى الله عليه بقوله:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

ومن هنا كانت القدوة أصلًا من أصول الدعوة؛ لأن الناس إذا رأوا من الداعية صدقًا في قوله، واستقامةً في فعله، وتواضعًا في خلقه، وثباتًا على ما يدعو إليه، أحبّوا ما عنده، واطمأنت قلوبهم إليه، وكان أثره فيهم عظيمًا.
أما إذا رأوا تناقضًا بين قوله وفعله، ضعفت كلمته، وسقطت هيبته من القلوب، وربما كان سببًا في صدّ الناس عنه وعن الحق الذي يدعو إليه.

ولهذا جاء الوعيد الشديد فيمن يخالف فعله قوله، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

وقال النبي ﷺ:
“يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى…” (متفق عليه)،
فيُقال له: ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه.

وهو وعيد عظيم يبين أن العلم وحده لا يكفي، وأن الدعوة باللسان إذا خالفتها الجوارح صارت حجة على صاحبها، وأن أعظم ما يرفع شأن الداعية عند الله وعند الناس أن يكون أول العاملين بما يقول.

وقد كان سلف الأمة يدركون هذا المعنى، فكانوا يتعلمون العلم للعمل، لا للمباهاة ولا لمجرد القول؛ فإذا تعلموا شيئًا بادروا إلى تطبيقه، فصار علمهم نورًا في أقوالهم، وبركة في أفعالهم، وأثرًا باقياً في الناس.

فيا أيها الداعية، كن قدوةً قبل أن تكون خطيبًا، وابدأ بنفسك قبل غيرك، وأصلح سريرتك قبل علانيتك؛ فإن القلوب تُبصر حقيقة الرجال ولو زخرفت الكلمات، والعمل الصادق يفتح من القلوب ما لا تفتحه البلاغة وحدها.

نسأل الله أن يجعلنا هداةً مهتدين، صالحين مصلحين، ظاهرًا وباطنًا، مقتدين بهدي نبينا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين