تخطى إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات المكتوبة بواسطة n. ismail

تاريخ النشر: 14 أغسطس 2026

الحمد لله الذي جعل المؤمنين جسدًا واحدًا، يتداعى أفراده بالمحبة والرحمة والتعاون، وأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفظًا للمجتمعات من أسباب الفساد والهلاك. والصلاة والسلام على سيد المصلحين، الذي قال له ربه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الذين كانوا خير أمة أخرجت للناس، يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر.

اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، واستعملنا في إصلاح مجتمعاتنا، ولا تستبدل بنا، وألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا.

أما بعد:

فلا تستقيم حياة المجتمعات إلا بسعي المصلحين، ولا تزدهر إلا بتضافر الجهود في معالجة مشكلاتها. والإسلام دين الإصلاح الشامل؛ فلم يدعُ إلى العبادة الفردية فحسب، بل أوجب على المسلم أن يكون عنصرًا فاعلًا في مجتمعه، يسهم في علاج أدوائه، وسدِّ خلله، وقضاء حوائج الناس، وبذل الخير لهم.

وقد وجَّه الله تعالى هذه الأمة إلى حمل رسالة الإصلاح، فقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. فخيرية هذه الأمة مرتبطة بقيامها بواجب الإصلاح، وإسهامها في نشر المعروف، ومحاربة المنكر، إذ إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سياج المجتمع، وحصنه المنيع.

ولم يكتفِ الإسلام بالحث العام على الإصلاح، بل جعل الإسهام في خدمة المجتمع مسؤوليةً تقع على عاتق كل مسلم، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته. قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته» (رواه البخاري ومسلم). فالراعي ليس الحاكم أو الوالد فحسب، بل كل إنسان مسؤول في دائرة تأثيره، ومطالب بأداء الأمانة التي حمَّله الله إياها.

ومن أعظم ما رغَّب به الشرع في قضاء حوائج الناس قول النبي ﷺ: «من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (رواه مسلم). فهذا الحديث يربط بين خدمة المجتمع ونيل معونة الله تعالى، ويجعل الإحسان إلى الناس سببًا لنيل فضله وعونه في الدنيا والآخرة.

وقد زخرت السيرة النبوية بصور مشرقة من الإسهام في إصلاح المجتمع. فمن ذلك مشاركة النبي ﷺ قبل البعثة في حلف الفضول، وهو ميثاق أخلاقي تعاهدت عليه قريش لنصرة المظلوم، ورد الحقوق إلى أصحابها، وإغاثة الملهوف. وقد قال عنه ﷺ بعد النبوة: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا لو دُعيت به في الإسلام لأجبت» (رواه البيهقي، وحسنه الألباني). وفي هذا الموقف دلالة واضحة على أهمية التعاون على البر والعدل، ونصرة المظلوم، وتحقيق المصالح العامة.

ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وجد مجتمعًا يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية وسياسية متعددة، فبدأ ببناء المسجد، وآخى بين المهاجرين والأنصار، ووضع وثيقة المدينة لتنظيم العلاقات بين مكونات المجتمع، ونظم شؤون السوق، فأرسى بذلك دعائم مجتمع متماسك قائم على العدل والتعاون، وقدم نموذجًا عمليًا في معالجة مشكلات المجتمع بالحكمة وحسن التدبير.

ولكي يكون إسهامنا في إصلاح المجتمع مؤثرًا، فلا بد أن نبدأ بإصلاح أنفسنا أولًا، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. ثم ننطلق إلى دوائرنا القريبة؛ فالأسرة هي نواة المجتمع، وصلاحها أساس لصلاحه. وبعد ذلك نتعاون على البر والتقوى، امتثالًا لقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

فالتعاون هو الوعاء الذي تتكامل فيه الجهود، وتثمر من خلاله المبادرات الفردية، وهو السبيل إلى معالجة القضايا الكبرى التي يعجز الأفراد عن مواجهتها منفردين، كالفقر، والجهل، والمرض، والتفكك الأسري، وضعف القيم. والمجتمع الذي يسوده الشعور بالمسؤولية مجتمع حي نابض، أما المجتمع الذي يتواكل أفراده، وينتظر كل واحد منهم غيره ليقوم بالواجب، فهو مجتمع يوشك أن يفقد أسباب قوته وتماسكه.

ختامًا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المصلحين المخلصين، وأن يوفقنا للإسهام في إصلاح مجتمعاتنا بما آتانا من علم، أو مال، أو جهد، أو رأي.

اللهم اجعلنا هداةً مهتدين، وأصلح بنا، ولا تجعل فينا شقيًا ولا محرومًا. اللهم ألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور.

وصلى الله وسلم وبارك على سيد المصلحين، وقائد الغر المحجلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين