Skip to main content

Blog entry by n. ismail

الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أيُّنا أحسن عملًا، وجعل الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ، الذي كان أخشى الناس لربه، وأتقاهم له، وأكثرهم عبادةً وإنابة، وعلى آله وصحبه الذين جعلوا مراقبة الله ومحاسبة النفس منهجًا لحياتهم.

اللهم ردنا إليك ردًا جميلًا، وألهمنا رشدنا، وأعنا على محاسبة أنفسنا قبل أن نحاسب، وهب لنا يقظةً من الغفلة، وثباتًا على طاعتك.

أما بعد:

فإن محاسبة النفس من أجلِّ أعمال القلوب، وأعظم أسباب صلاح العبد وثباته على طريق الاستقامة. وهي ليست جلدًا للذات، ولا يأسًا من رحمة الله، وإنما هي وقفة صادقة يراجع فيها المؤمن أعماله، فيشكر الله على توفيقه، ويتوب من تقصيره، ويستدرك ما فاته قبل أن يلقى ربه.

وقد أمر الله تعالى بذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]. فجمع سبحانه بين التقوى، والنظر فيما قدمته النفس ليوم القيامة، وفي ذلك دعوة صريحة إلى مراجعة الأعمال، وتدارك التقصير، والاستعداد للقاء الله.

وكان السلف الصالح أشد الناس محاسبة لأنفسهم. وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم». وهي كلمة جليلة اشتهرت عنه، وإن لم تثبت مرفوعة إلى النبي ﷺ، إلا أن معناها صحيح تشهد له نصوص الشرع.

وقال رسول الله ﷺ: «الكَيِّسُ من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني» (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني). فجعل النبي ﷺ علامة العقل والفطنة أن يحاسب الإنسان نفسه، ويهيئها للقاء الله، لا أن يطلق لها العنان ثم يركن إلى الأماني.

ومن أعظم ما يحاسب العبد نفسه عليه: الفرائض، فيسأل نفسه: هل أديتها كما أمر الله؟ وهل حفظت الصلاة بخشوعها، وأديت الحقوق إلى أهلها؟ فإن وجد نقصًا اجتهد في جبره بالتوبة والنوافل.

وقد قال رسول الله ﷺ: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر…» (رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه الألباني). فإذا كانت الصلاة أول ما يسأل عنه العبد، كانت أول ما ينبغي أن يحاسب نفسه عليه.

ثم ينظر في ذنوبه وتقصيره، فيبادر إلى التوبة والاستغفار، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ…﴾ [آل عمران: 135]. فالمؤمن لا يصر على الذنب، بل كلما زلت قدمه عاد إلى ربه، مستغفرًا منيبًا.

كما يحاسب نفسه على جوارحه كلها؛ فيراجع لسانه: ماذا قال؟ وعينه: إلى ماذا نظرت؟ وأذنه: ماذا استمعت؟ وقلبه: ماذا نوى؟ فإن المؤمن يعلم أنه مسؤول بين يدي الله عن عمره، وشبابه، وماله، وعلمه، كما قال النبي ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه» (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

والداعية أحوج الناس إلى محاسبة نفسه؛ لأن الناس ينظرون إلى عمله قبل قوله. فليحاسب نفسه على إخلاصه، وليفتش قلبه من حب الشهرة والرياء، وليتأمل في أثر كلماته وأفعاله، وليتأكد أن دعوته تقربه إلى الله قبل أن تقرب الناس إليه. فكلما كان الداعية أكثر محاسبة لنفسه، كان أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الزلل، وأعظم بركة في دعوته.

ختامًا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل المحاسبة الصادقة، الذين يراقبون أنفسهم في السر والعلن، ويجددون التوبة، ويستكثرون من الطاعات.

اللهم حاسبنا حسابًا يسيرًا، واغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا. اللهم أصلح قلوبنا، وزكِّ نفوسنا، واجعلنا ممن يأخذون كتبهم بأيمانهم، ولا تخزنا يوم العرض عليك.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.